ساسي سالم الحاج

142

نقد الخطاب الاستشراقي

وربما كانت الإشارة إلى أن محمدا هو الذي اتخذ هذه المبادرة محاولة لإخفاء دوافع شريرة بين الذين تركوه في مكة وليس من الضروري مع ذلك تفسير المعطيات بهذا المعنى . فلقد رأى محمد بسرعة ظهور انقسام فعمل على اجتثاث جذوره ، فأشار بالسفر إلى الحبشة لتأييد مخطط للمحافظة على مصالح الإسلام ، وهو مخطط لإنزال نجهل طبيعته الحقيقية لأن نجاحه كان ضئيلا في تحقيق أهدافه الظاهرة . ويدل الصلح السريع نسبيا بين عثمان والعائدين إلى مكة قبل الهجرة إلى المدينة على أنه لم يحدث قط انقطاع تام بينهم وبين محمد فقد انتهوا بقبول سلطة محمد ومكانة أبي بكر فحاربوا بشجاعة كمسلمين في معركة بدر « 1 » . يتعرّض « مكسيم رودنسون » لهجرة المسلمين إلى الحبشة ويصفها بأنها حادثة من الصعب تسليط الضوء عليها طبقا للروايات المختلفة التي سلطت عليها والمشوبة دوما بالمصالح والمفاهيم المتأخرة التي أسبغت عليها . ويساند رودنسون ما ذهب إليه « وات » من أن هذه الهجرة قد حصلت بعد قصة الآيات الشيطانية التي اتخذ الرسول بمقتضاها موقفا حازما من آلهة قريش . ثم يورد بداية هذه الهجرة وأسبابها طبقا للروايات الإسلامية ويقتبس رواية الطبري بحذافيرها والتي ورد فيها : « واشتدوا عليه ، وكرهوا ما قال ، وأغروا به من أطاعهم فانصفق عنه عامة الناس فتركوه ، إلا من حفظه اللّه منهم وهم قليل . فمكث بذلك ما قدّر اللّه أن يمكث ثم ائتمرت رؤوسهم بأن يفتنوا من تبعه عن دين اللّه من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم ، فكانت فتنة شديدة الزلزال على من اتبع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من أهل الإسلام ، فافتتن من افتتن ، وعصم اللّه منهم من شاء . فلما فعل ذلك بالمسلمين أمرهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يخرجوا إلى أرض الحبشة . وكان بالحبشة ملك صالح يقال له النجاشي لا يظلم أحد بأرضه . وكان يثني عليه مع ذلك . وكانت أرض الحبشة متّجرا لقريش يتّجرون فيها رفاغا من الرزق وأمنا ومتجرا حسنا فأمرهم بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فذهب إليها عامتهم لما قهروا بمكة وخاف عليهم الفتن ومكث هو فلم يبرح . . . » « 2 » . ويستنتج « رودنسون » من النص السابق أن المهاجرين إلى الحبشة كانوا من ذوي

--> ( 1 ) المرجع السابق ، ص 182 - 189 بتصرف شديد . ( 2 ) أ - رودنسون ، محمد ، المرجع السابق ، بالفرنسية صفحة 142 - 143 . ب - الطبري ، تاريخ الطبري ، المرجع السابق ، الجزء الثاني ، ص 1180 - 1181 .